القرطبي
364
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الفيلة ، فعمد رجل منهم فصنع فيلا من طين وأنس به فرسه حتى ألفه ، فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل فحمل على الفيل الذي كان يقدمها فقيل له : إنه قاتلك . فقال : لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين . وكذلك يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة ، قال رجل ( 1 ) من المسلمين : ضعوني في الحجفة ( 2 ) وألقوني إليهم ، ففعلوا وقاتلهم وحده وفتح الباب . قلت : ومن هذا ما روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا ؟ قال : ( فلك الجنة ) . فانغمس في العدو حتى قتل . وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد ( 3 ) يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش ، فلما رهقوه ( 4 ) قال : ( من يردهم عنا وله الجنة ) أو ( هو رفيقي في الجنة ) فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل . [ ثم رهقوه أيضا فقال : ( من يردهم عنا وله الجنة ) أو ( هو رفيقي في الجنة ) . فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ( 5 ) ] . فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما أنصفنا أصحابنا ) . هكذا الرواية ( أنصفنا ) بسكون الفاء ( أصحابنا ) بفتح الباء ، أي لم ندلهم ( 6 ) للقتال حتى قتلوا . وروي بفتح الفاء ورفع الباء ، ووجهها أنها ترجع لمن فر عنه من أصحابه ، والله أعلم . وقال محمد بن الحسن : لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده ، لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو ، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه ، لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين . فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه ، ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه . وإن كان قصده إرهاب العدو وليعلم صلابة المسلمين في الدين فلا يبعد جوازه . وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لاعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم " ( 7 ) [ التوبة : 111 ] الآية ، إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه . وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه متى رجا نفعا في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل كان
--> ( 1 ) هو البراء بن مالك ، أخو أنس بن مالك ، كما في تاريخ الطبري . ( 2 ) الحجفة ( بتقديم الحاء على الجيم والتحريك ) : ترس يتخذ من الجلود . ( 3 ) أفرد يوم أحد ، أي حين انهزم الناس وخلص إليه العدو . ( 4 ) رهقه ( بكسر ثانية ) : غشيه ولحقه . ( 5 ) زيادة عن صحيح مسلم . ( 6 ) أي لم ترشدهم ونسددهم . ( 7 ) راجع ج 8 ص 267 .